أبي بكر الكاشاني
278
بدائع الصنائع
وكذا القصاص وعنده تصح التسمية لأنه يجوز أخذ العوض عن الطلاق والقصاص وكذلك إذا تزوجها على أن لا يخرجها من بلدها أو على أن لا يتزوج عليها فان المذكور ليس بمال وكذا لو تزوج المسلم المسلمة على ميتة أو دم أو خمر أو خنزير لم تصح التسمية لان الميتة والدم ليسا بمال في حق أحد والخمر والخنزير ليسا بمال متقوم في حق المسلم فلا تصح تسمية شئ من ذلك مهرا وعلى هذا يخرج نكاح الشغار وهو أن يزوج الرجل أخته لآخر على أن يزوجه الآخر أخته أو يزوجه ابنته أو يزوجه أمته وهذه التسمية فاسدة لان كل واحد منهما جعل بضع كل واحدة منهما مهر الأخرى والبضع ليس بمال ففسدت التسمية ولكل واحدة منهما مهر المثل لما قلنا والنكاح صحيح عندنا وعند الشافعي فاسد واحتج بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن نكاح الشغار والنهى يوجب فساد المنهى عنه ولان كل واحد منهما جعل بضع كل واحدة من المرأتين نكاحا وصداقا وهذا لا يصح ولنا أن هذا النكاح مؤبد أدخل فيه شرطا فاسدا حيث شرط فيه أن يكون بضع كل واحدة منهما مهر الأخرى والبضع لا يصلح مهرا والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة كما إذا تزوجها على أن يطلقها وعلى أن ينقلها من منزلها ونحو ذلك وبه تبين أنه لم يجتمع النكاح والصداق في بضع واحد لان جعل البضع صداقا لم يصح فأما النهى عن نكاح الشغار فنكاح الشغار هو النكاح الخالي عن العوض مأخوذ من قولهم شغر البلد إذا خلا عن السلطان وشغر الكلب إذا رفع احدى رجليه وعندنا هو نكاح بعوض وهو مهر المثل فلا يكون شغارا على أن النهى ليس عن عين النكاح لأنه تصرف مشروع مشتمل على مصالح الدين والدنيا فلا يحتمل النهى عن اخلاء النكاح عن تسمية المهر والدليل عليه ما روى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة بالمرأة ليس لواحدة منهما مهر وهو إشارة إلى أن النهى لمكان تسمية المهر لا لعين النكاح فبقي النكاح صحيحا ولو تزوج حرا مرأة على أن يخدمها سنة فالتسمية فاسدة ولها مهر مثلها في قول أبي حنيفة وأبى يوسف وعند محمد التسمية صحيحة ولها قيمة خدمة سنة وعند الشافعي التسمية صحيحة ولها خدمة سنة وذكر ابن سماعة في نوادره انه إذا تزوجها على أن يرعى غنمها سنة أن التسمية صحيحة ولها رعى غنمها سنة ولفظ رواية الأصل يدل على أنها لا تصح في رعى الغنم كما لا تصح في الخدمة لان رعى غنمها خدمتها من مشايخنا من جعل في رعى غنمها روايتين ومنهم من قال يصح في رعى الغنم بالاجماع وإنما الخلاف في خدمته لها ولا خلاف في أن العبد إذا تزوج بإذن المولى امرأة على أن يخدمها سنة أن تصح التسمية ولها المسمى أما الشافعي فقد مر على أصله أن كل ما يجوز أخذ العوض عنه يصح تسميته مهرا ومنافع الحر يجوز أخذ العوض عنها لان إجارة الحر جائزة بلا خلاف فتصح تسميتها كما تصح تسمية منافع العبد وأما الكلام مع أصحابنا فوجه قول محمد أن منافع الحر مال لأنها مال في سائر العقود حتى يجوز أخذ العوض عنها فكذا في النكاح وإذا كانت مالا صحت التسمية الا انه تعذر التسليم لما في التسليم من استخدام الحرة زوجها وانه حرام لما نذكر فيجب الرجوع إلى قيمة الخدمة كما لو تزوجها على عبد فاستحق العبد انه يجب عليه قيمة العبد لان تسمية العبد قد صحت لكونه مالا لكن تعذر تسليمه بالاستحقاق فوجبت عليه قيمته لا مهر المثل لما قلنا كذا هذا وجه قولهما أن المنافع ليست بأموال متقومة على أصل أصحابنا ولهذا لم تكن مضمونة بالغصب والاتلاف وإنما يثبت لها حكم التقوم في سائر العقود شرعا ضرورة دفعا للحاجة بها ولا يمكن دفع الحاجة بها ههنا لان الحاجة لا تندفع الا بالتسليم وانه ممنوع عنه شرعا لان استخدام الحرة زوجها الحر حرام لكونه استهانة واذلالا وهذا لا يجوز ولهذا لا يجوز للابن أن يستأجر أباه للخدمة فلا تسلم خدمته لها شرعا فلا يمكن دفع الحاجة بها فلم يثبت لها التقوم فبقيت على الأصل فصار كما لو سمى ما لا قيمة له كالخمر والخنزير وهناك لا تصح التسمية ويجب مهر المثل كذا ههنا حتى لو كان المسمى فعلا لا استهانة فيه